ابن قيم الجوزية
124
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
من الخير وفتحت له بابا من الشر ، وكم أوقعت في بلية وعجلت من منية وكم أورثت من خزية ، وجرت على شاربها من محنة ، وجرت عليه من سفلة فهي جماع الإثم ومفتاح الشر وسلابة النعم وجالبة النقم ، ولو لم يكن من رذائلها إلا أنها لا تجتمع هي وخمر الجنة في جوف عبد كما ثبت عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة » لكفى ، وآفات الخمر أضعاف أضعاف ما ذكرنا وكلها منتفية عن خمر الجنة فإن قيل فقد وصف سبحانه الأنهار بأنها جارية ومعلوم أن الماء الجاري لا يأسن فما فائدة قوله غير اسن قيل الماء الجاري وإن كان يأسن فإنه إذا أخذ منه شيء وطال مكثه أسن وماء الجنة لا يعرض له ذلك ولو طال مكثه ما طال . وتأمل اجتماع هذه الأنهار الأربعة التي هي أفضل أشربة الناس فهذا لشربهم وطهورهم ، وهذا لقوتهم وغذائهم وهذا للذتهم وسرورهم ، وهذا لشفائهم ومنفعتهم واللّه أعلم . ( فصل ) وأنهار الجنة تتفجر من أعلاها ثم تنحدر نازلة إلى أقصى درجاتها كما روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن في الجنة مائة درجة أعدها اللّه عز وجل للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ؟ ومنه تفجر أنهار الجنة » وروى الترمذي نحوه من حديث معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت ولفظ حديث عبادة « الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة ، ومنها الأنهار الأربعة والعرش فوقها فإن سألتم اللّه فاسألوه الفردوس الأعلى » وفي المعجم للطبراني من حديث الحسن عن سمرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الفردوس ربوة الجنة وأعلاها وأوسطها ومنها تفجر أنهار الجنة » وفي صحيح البخاري ، من حديث شعبة عن قتادة قال أخبرني أنس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجر ، وورقها مثل آذان الفيلة ، يخرج من ساقها نهران ظاهران ، ونهران باطنان ، فقلت يا جبريل ما هذا ؟ قال أما النهران الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات » وفي صحيحه أيضا من حديث همام عن قتادة عن أنس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « بينا أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت ما هذا يا جبريل ؟ قال هذا